إبراهيم عيسى الجديد على اليوتيوب



يُعجبني إبراهيم عيسى وعمرو أديب مُذْ أشهرا إسلامَهما من قريب (1) ، من يعرفني يعرف أنني لا أشاهد "النايل سات" نهائيا لكن تسجيلات الرجلين على اليوتيوب تنبيءُ أن ثمّة إختلافا جذريا في منهجيهما يبدوا واضحا على إختلاف العقلية والطرح لكل منهما.


لا أعرفُ إن كانت قد أسندت إليهما لعبة الشرطي الجيّد والشرطي السيء ، بالنظر إلى الموج الجارف على جميع القنوات الحوارية المصرية من النفاق والتزييف والكذب الفجّ الذي لا يختلف عليه الجاهل قبل العارف ، والمؤيد المنافق المنتفع -في نفسه- قبل النّزيه الحُرّ الموجوع.


ربما ارتأى البعض أن يجلس المواطن المصري ليجد أخيرا من يتكلم بلسانه من غير الإخوان وخلافه، تخفيفا لحدة الضربات كقفاز الملاكم ، قد أشك في جانب عمرو فتحوله وقت الثورة على مبارك وأسرته كان سريعا مضحكا، بيد أن إنتقال إبراهيم عيسى إلى اليوتيوب يعني أنه مغضوب عليه ، ونقده لاذع على غير العادة ، أتوقع أن يُمنع عمرو ، ويُمنع عيسى أو يُسجن قريبا، مساحة الرأي لم تعد تكفي لمرور ذبابة، وأنا عند رأيي بانتهاء الحياة السياسية في مصر منذ العام 2013 وحتى تاريخه.

لكنه وبعيدا عن تلك النظرة التشاؤمية في الحكم على الرجلين "وبالأخص عيسى" وفقا لنظريات المؤامرة أو صورية النقد أو المعارضة ، إلا أنني وعلى المستوى الشخصي كمهتم بالشأن العام وكشاعر ومحام ، يعجبني - عيسى - الجديد ذاك ، ويروق لي الإستماع إليه بصورة شبه يومية على قناته على اليوتيوب ، ولكم يأسى العاقلُ في هذا البلد لعدم إستيعاب الكثيرين لذات الدرس الذي يكرره التاريخ مرة تلو الأخرى ولا يعيه السادة أصحاب الأمر في مصر وهو أن قمع الصوت لن ينتج إلا المزيد من النقد المكبوت الذي يولد الإنفجار فعلا لا قولا في الأخير ، وأن الفضاء الحُر الذي يسمح بتداول الرأي كأبسط حقوق الإنسان يعطي ولو أمل في تصحيح الأمور ، إلا أنه وعلى ما يبدوا ، فإن إمتداد اليد المتسلطة من مجرد قمع الشباب أمثالنا وملاحقتهم أمنيا إلى أقلام وشخصيات لها اعتبارها في النقد السياسي والظهور الإعلامي مثل الأستاذ إبراهيم عيسى ، أو إعلامي كبير مخضرم كعمرو أديب لا يمثل ذلك إلا تقهقرا خطيرا إلى الوراء ونذير شؤم.

وعلى الرغم مما هو مفترض في خريج جامعة الأزهر ، وناظم الشعر على صورته القديمة من الرفض لكاتب مثل إبراهيم عيسى بحسب آرائه الدينية إلا أن الحقيقة أن الرجل يلاقي الكثير مما لاقيته أنا شخصيا من هجوم على شخصي داخل أروقة كلية الشريعة والقانون إبان كنتُ طالبا فيها في بداية الألفية الجديدة. قصة قصيرة حزينة متكررة عنوانها هو نبذ كل جديد ، وإزدراء كل إختلاف ، وتكفير كل معارض ، وتفخيم كل قديم ولو كان عبث كامل التكوين.


فعلى الرغم من مروري بأحوال معيشية صعبة جدا بعد وفاة الوالد وأنا في المرحلة الإعدادية الأزهرية وتخلي الأسرة ما دعاني للعمل في المرحلة الثانوية إلى جانب دراستي ثم إنتقالي إلى القاهرة للدراسة بكلية الشريعة والقانون الأمر الذي منعنى من حضور أغلب المحاضرات بالكلية ؛ إلا أن المرَّات التي كنتُ أستطيع الحضور فيها، لم تمر مرور الكرام، إذ كنت في تلك الفترة، بدأت أناوش الأدب والواقع أنني لم أنل حظا من رفاهية في شبابي الأول خلا القراءة والتدخين إلى جانب أشغال مُضنية كانت بالكاد تكفي لأقيم عيشاً صعباً بالنسبة إلى شاب ريفي يلتمس التعليم إلى جانب عمله الدائم فترات ليلة طول السنة تقريبا.

ولكم كانت تلك القراءات هي طوق النجاة من التنشئة التي تلقيناها داخل المعاهد الأزهرية ، فقد كانت أسماء الأدباء الكبار أمثال طه حسين مثلا ، تتصدر لنا وكأنها أسماء لكفار قريش، وأتباع مسيلمة الكذاب، ولم يكن أحد من منتقدي عميد الأدب ومكفّريه على مستوى نقل فكرة صحيحة عن الرجل أو نقد ما يكتبه في الواقع ، حتى بدأت أناوش الأدب ، وكنت قارئا نَهِما جدا ليس لي إلا القراءة كباب مفتوح على العالم .. ومن هنا .. بدأ الصدام.

فذلك الحضور القليل المناوش في الكلية، والنقاش العابر مع الأساتذة فيما يخص امثال طه ورؤاهم من جهة وفيما اعتبروه هم أنه واجب تلقيه بلا صوت ، وأخذه بلا رد ، والإيمان به وتبنّيه بلا نقاش من جهة أخرى، كل ذلك جعل مني وجها بغيضا ، وصوتا نشازا ، فكنت معترضا، ناقلا لآراء مغايره، ومناقشا برؤى مختلفة لا تؤمن بالتسليم بلا نقد، ولا الأخذ بلا رد .. وكانت النتيجة أن كان يعرفني بعض الأساتذة من المنتمين إلى جماعة الإخوان وأفكارها معرفة المؤمن بالكافر، وتشتري عداوتي مجاميع الطلاب الذي ينتمون إلى ما أسموه ( جيل النصر المنشود ) والذي اتضح أنه (لوبي إخواني سلفي) داخل أروقة الأزهر .

ولكم عانيت أثناء الدراسة من اضطهادي في الإمتحانات الشفهية التي عمد فيها بعض الأساتذه إلى تعمد سؤالي أسئلة صعبة وتصيد الأخطاء كرها لشخصي لا أكثر ولا أقل فظللت موقوفا على نتيجة الإمتحان الشفهي ذاك برغم حصولي على تقدير عام جيد جدا وتم إنزالي إلى درجة جيد ، واستبقائي للإمتحان الشفهي الوحيد المتبقى للحصول على درجة الليسانس عدة أدوار حتى لكنت يئست من التخرج ، ولولا جائحة الكورونا التي ألغت الإمتحانات الشفهية وأبدلوها بالإمتحانات التحريرية لما كنت أفلت من تحت يد طاقم التدريس ذاك ! ولما كنت قد تخرجت من الكلية.

فما يلاقيه عيسى أو غيره من الكتاب والمفكرين بل وحتى مجرد شاب ريفي موهوب في الشعر أو قاريء للأدب أو لديه اقتناع بوجهات نظر مختلفة خلا وجوب إعمال النقل ونقله بعمائية أوعدم تقديس النصوص التي هي ليست بمقدسة وقد خلا القرآن من أغلب ما كان يلقى في عقولنا بتشديد على قبوله وتبنّيه ونبذ كل ما عداه ، كل هذا ليس بجديد.

الغريب والمدهش ، أن - عيسى - بوضعه الحالي هو نسخة أكبر قليلا مما نتعرض نحن له ليل نهار ، فهو إن عارض سياسات الحكومة يصبح في نظر إعلامييها إخوانيا ، وهو في نظر الإخوان محسوب على النظام ، ثم هو عند السلفيين والوهابيين من الكفار ، وحتى الكتاب والمعارضون من أصحاب القلم مثل الكاتب بلال فضل ، يهاجمه على قناته على اليوتيوب وينعته بالكاذب والمتحول في آرائه وقد شاهدت على قناة - فضل - منذ أيام من كتابة هذا المقال نقدا لاذعا لعيسى على لسان فضل فيما يخص سيناريوا فيلم السادات الذي أعلن عيسى من قبل أنه تم تغييره بالكامل ورفض نسبته إليه ، ثم تحول تماما فانتقد تسلم الأستاذ أحمد بهجت لجائزة الدولة ووسام الجمهورية عن السيناريوا الذي كتبه هو ! والواقع أن فضل بدا مقنعا جدا في حديثه عن هذا التناقض على الرغم من إشادتي في المقال بتحول عيسى ضد سياسات طالما أخبرنا عن كارثيتها.


بل وعلى الرغم من أنه ربما يكون هذا التحوّل هو في الأساس من قبيل التناقض الذي أشار إليه - فضل - إلا أنه على كل حال .. من الجيد أن نستمع إلى نقد حر هذه الأيام من غير الشخصيات والقنوات المحسوبه على النظام أو الإخوان أو غيرهما ، وإن كان الإستاذ إبراهيم عيسى نفسه يعرف أنه ليس بقوة مكتب BBC الذي تم إغلاقه في القاهرة وقت أن كان يتصل بنا ويسمح لنا بالتعبير عن آرائنا فكانت السلطات تشعر بحرج بالغ توقعنا معه إنتهاء عصر BBC في القاهرة وقد كان تماما ، فأنا سعيد بإبراهيم عيسى الجديد ذاك .. حتى حين .. ( وربنا يستر ) .
....
(1) التعبير ب"أشهرا إسلامهما" مجرد تعبير ساخر يعبر عن تبني وجهات نظر مختلفة أو التحول إلى مواقف أفضل ليس الغرض منه أبدا النيل من أحد من الأساتذين في المقال فلهما كل التقديم والإحترام

محمد سلامه


إرسال تعليق

أحدث أقدم