ضحكة من القلب - أدب سيرة ذاتية

جلستُ في غرفة المحامين بإحدى محاكم القاهرة أنتظر مناداة الرول ، فوجدت نفسي بين مجموعة شباب من الجنسين في سن العشرين على أكبر تقدير ، يتبادلون مزاحا خفيف الظل حول أيهم يبدوا مكتئبا أكثر وأيهم هو المتفائل ..


طلبتُ قهوتي السادة ، ثم تناولت قرص السيبرا برو ، أسلمت وعيِّ لهؤلاء الشباب هربا من عبثيات الأفكار الصباحية التي تستقدم ماضٍ ثقيل أو قلق دائم، وبدت على ما يبدوا في وجهي علامات الإنسجام ، فأشركوني في الحديث بتلقائية (أولاد البلد) ولأنني عشت في القاهرة قرابة الربع قرن في السابق، أنسجم تلقائيا مع المحيط وكأنني لم أفارقه، بينما لا أنسجم بسهولة في الأرياف وإن عشت فيها مؤخرا ومضطرا طلبا لبعض ميراثي من والدي الذي كاد يتآكل كله بغيابي أغلب سنوات الشباب ، بورق مزوّر وودّ مزور ورباطة دم بهتت من يوم مضى ذلك الطفل إلى حال سبيله ولم يرجع!

أحتفظ أحيانا - وبرغم فوات العمر- بالقدرة على إثارة حيرة الإنطباع الأول فيما يخص العمر ، فأملك قدرة على التعبير بخفة أحيانا فيما يراه الناظر شابا ، ونحافة الجسم تثري هذا الإعتقاد ، بينما أتناقش مع من هو أكبر في مسائل أكبر بأريحية فيما يبدوا للناظر أكبر قليلا مما يظن ..



مضت دقائق خفيفة الظل مع هؤلاء الشباب .. أذكروني أياما عشتها هنا بينهم في منطقة مجاورة لتلك المحكمة المزدحمة "صفط اللبن" ! .. شربت قهوتي .. ولا أذكر الكثير من الحديث .. خلا بعض الإندهاش الذي خلفته ورائي ، وكنت أعدّ نفسي للمغادرة للحاق بدوري أمام القاضي .. وكان النقاش قد وصل إلى سؤال طريف .. سألته إحدى المحاميات الشابات .. متى آخر مرة ضحكت من قلبك ؟ وبصراحة ؟ أجاب البعض .. من شهر .. والآخر .. بالأمس .. فبادرتني بدلال البنات وأنا أهمّ بالخروج ..

- وحضرتك يا عمو ياللي من المنصورة ؟
- من وأنا في سنك تقريبا !!

قلتها مبتسما لكن الصوت حمل سنواتٍ ثقال في نبرته رغما عني ، استأذنت العيون المحدّقة ، والصمت الذي خيّم على المكان .. وانصرفت.

إقرأها أيضا في :


Post a Comment

Previous Post Next Post