آل البيت - أدب سيرة ذاتية



"القاهرة - السيدة زينب – عام 2006"
- والآن ، ما العمل ؟
بدأت أسألُ نفسي وأنا محاطٌ بكراتين الكتب وشنطة ملابس وسرير قديم بالإضافة إلى جهاز كمبيوتر مكتبي متواضع وهذا كل ما كنت أملكه في الأرياف ، وكان ليتم الإستيلاء عليه وبيعه في غيابي ، تماما كميراثي !

جلبت تلك الأشياء إلى هنا لأبدأ حياة جديد بتشجيع من رجل غريب ظهر في حياتي فجأة وأصرّ على أنني أستحق الفرصة (د.توفيق حلمي) ، لا أعرف متى سوف أستعيد أو أحكي قصة هذا الرجل يوما ..

بدأتُ باستطلاع الشقة البسيطة المساحة ، وكنتُ أشعر بشعور غريب من الراحة والحرية والإطمئنان على الرغم أن العكس تماما كان ليشعر به أي شخص آخر في مكاني انتقل من براح ثراء الوالد والشقق الواسعة والبيوت المتعددة إلى مكان ضيق كهذا ، إلا أن موت الوالد الذي غير كل شيء ، جعل مجرد الخلاص من عفن الظلم راحة ، وأن بيوتا على اتساعها بلا محبة ، هي – تماما – كالمقابر التي ألجؤوني إلى أن أسكنها سابقا في "طرب الغفير" بوسط القاهرة، بدأت بتنظيم الأشياء ، ثم خرجت أستطلع هذا المكان العجيب المريح ..

السيدة زينب ، كانت المنطقة لا تنام تقريبا ، وتشعر فيها "بالوَنَس" ، وتدُب بالحياة في كل مكان فيها بلا توقف ، عرفت لأول مرة وأنا في منتصف العشرينات كيف تعيش في بيت ، رغم أن الوالد لم يترك خلفه أكثر من البيوت ، لكنها لم تكن أبدا كالبيوت ، كتبت في هذا المكان أجمل ما كتبته من شعر لأول مرة ، وقرأتُ في هذا المكان آلاف الكتب، وحلمت ألف حلم .. لم يتحقق ، وكانت الحياة لتختلف تماما ولتفتح أبوابها لو أتيح – وقتها – دخل يكفي للمعيشة ، أو مصدر رزق ثابت بدلا من الأشغال التي أخذت من الشباب أغلبه لأقيم – بالكاد – نصف حياة ، لكن التجربة .. عميقة الأثر.

لا يؤتى على ذكر منطقة السيدة زينب إلا وترتسم على وجهي ابتسامة ممتزجة بدمع لامع ثابت في عين لا تنسى ما هو على سبيل المعجزة ، وكان لي – وقت حدوثه – مزيجا من الإندهاش والتعلم .. بألا تحكم على أناس ولا مبدأ ولا شخص .. دون أن تأخذ منه، أو أن تعرف عنه شيء، وربما اختار القدر هذه المرة ليعلمني .. مباشرة ! بلا وسيط ولا كتاب ولا معلم .. فما القصة ؟

في هذا العام ، كنت أتابع باهتمام شديد الحرب الدائرة بين حزب الله واسرائيل في الجنوب اللبناني ، وكنت حانقا جدا على الرفض العربي وبيانات العرب "المخجلة" ضد المطالب المشروعه لحزب الله باستعادة أسراه من المعتقلات الإسرائيلية ما دفعه بعد سنوات من فشل المفاوضات مع إسرائيل إلى خطف جنود إسرائيليين فانبرَت إسرائيل بقصف لبنان ودارت الحرب ..

لم أملك في أغلب شبابي أي وسيلة للإتصال بالعالم خلا راديو صغير كنتُ قد أدمنت الإستماع إليه ، ودائما ما كنت أحمل مفكرة صغيرة أكتب فيها مواعيد البرامج التي لم أكن أفوّت منها حلقه ، لغتنا الجميلة لفاروق شوشة ، وغواص في بحر النغم للرائع عمار الشريعي ، وباستثناء الكتب التي كانت تشرح كل شيء .. كان الناس في الواقع في وادٍ آخر تماما .. يصدقون كل ما يلقى إليهم من بيانات "مكذوبة" ويعتمدون الرأي بلا تفكير ، وكان الرأي الشعبي في حزب الله والسيد حسن نصر الله ، بين مقاوم مجاهد ، وشيعي كافر !

أما أنا فقد كانت قضيته عادله في نظري .. ولسكناي في السيدة زينب .. فقد اعتدتُ الصلاة في المسجد .. واعتدت الجلوس وانا أشاهد الناس داخل المقام .. يدعون .. ويتمنّون .. ويبكون .. ويترجّون .. وأنا ما بين إندهاش ورفض كأزهري دائما ما كان يقال لنا أن زيارة المقابر وتقديس أهلها والرجل إليهم كفر وشرك بالله ، وبين الموروث الشعبي الممتد الجذور أن من هؤلاء أولياء لله ، ولهم "كرامات" ومعجزات !

وكنت هناك أراقب وأرى دون أن أتبنى أي وجهة نظر ، فحياتي أتعس من الإنشغال بقضايا فكرية أو مذهبية ..

وقد كنت في هذه الفترة يؤرقني ألم كبير يزورني كل عام في معصم يدي اليسري ، كسرٌ قديمٌ كنت قد تعرضتُ له ولم يهتم أحد بتطبيبه فالتئمت العظام التئاما غير كامل ربما ، ومن عجَب العظم أنه – في كل عام – وفي أوان الكسر ، ينبض ألما لا يُحتمل ، وزاد الأمر برد الشتاء في يناير من كل عام ، ألم كان يبدوا على ملامحي وقت حضوره ، وأكاد منه أُجنّ ..

جلست ممسكا يدي ، ومرتكنا إلى أحد الأعمدة بالمسجد ، بعد صلاة المغرب .. فإذا بشخص غريب يرتدي بدلة كاملة ويحمل حقيبة تشبه حقائب الدكاترة ، خمسيني العمر على أكبر تقدير ، وبدا كما لو كان يتابعني بنظره في هدوء ، وما إن نظرت إليه حتى أشار لي مبتسما أن : اقترب ! فذهبت إليه ، فقال :
- مالك ؟
- لا مفيش ، إيدي بس بتوجعني شوية.
- طيب تقبل مني النصيحة ؟
- اتفضل
- عارف المقام اللي انت بتبص له باستغراب ده.
فخشيت أن يكون أحد هؤلاء المتعصبين ، فقاطعته : لأ مش باستغراب ولا حاجه، فقاطعني .. اسمعني بس .. هتروح تحط إيدك وتدعي ربنا يشفيك ببركة آل البيت بس كده ولا هتفكر ولا هتشرك زي ما بتسمع !
- بس أنا درست إن الدعاء بغير الله شرك.
- لا إله إلا الله ، ما انت هتدعي ربنا يابني!
- اومال إيه بركة آل البيت دي.
- ادعي بس ، وبصدق .. وهتشوف .. هتخسر ايه ، خدني على أد عقلي .. ياللا قوم

الواقع ، أن شخصيتي لا تعرف شيئا عن الطلبات والأوامر ، حتى كل الأشغال التي قضيت شبابي فيها لأكمل دراستي وأقيم عيشي بعد وفاة الوالد لم أستمر في أي عمل أشعر ان أحدا يتحكم بي ويأمرني فيه .. فكنت أفضل الأشغال الحرة دائما .. لشد ما أرفض شعوري بأن احدا ما يأمرني بشئء .. لكن هذا الرجل ، كان له تأثير غريب ، وشكل غريب مختلف عن كل من في المسجد ، ورائحة غريبة عطِرة وتكاد تشعر كما لو أنه يضيء من الداخل ، فقلت في نفسي ، ولم لا .. (وانت يعني معاك فلوس تروح لدكتور أي يخويه ، جرب)

قمت .. دخلت إلى مقام السيدة زينب .. ووضعت يدي .. ودعوت صادقا لله أن يخلصني من آلام يدي تلك وزدت بركة آل البيت وسيدنا علي والحسين رضي الله عنهما، فقد كنت لا أنام من أوجاعها فترات طويلة من الشتاء .. ثم خرجت ، فلم أجد لهذا الرجل أي أثر !!

لم أغب كثيرا في الداخل ، وكان المسجد أوسع من أن يتبخر الرجل فجأة هكذا ، قمت إلى خارج المسجد مسرعا أفتش عنه بعيني يمينا ويسارا فلم أجد له أي أثر بالشارع أيضا ..

شعرت بشيء من الإحباط ، فتمشيت إلى السكن ، على أول الشارع كانت (قهوة) اعتدت الجلوس عليها فجلستُ أتابع حرب تموز .. وحزب الله .. حتى حانت صلاة العشاء ، وأمام القهوة مباشرة ، مسجد قديم آخر غير مسجد السيدة زينب ، يقع في منتصف الشارع بين منطقة السيدة ، وأحمد بن طولون .. هممت ان أصلي فيه صلاة العشاء ثم أقفل عائدا إلى سكني .

وعلى "عتبة" هذا المسجد "الخشبية" ما إن وضعت قدمي اليمني في الداخل ولم أكد أرفع قدمي اليسرى حتى شعرت بشيء (يدفعني) ووجدتني فجأة مختل التوازن وأسقط إلى جهة يدي المصابة ، وعن دون قصد ووعي ، وجدت نفسي أتكيء بها على عتبة المسجد الخشبية وعيناي مثبتتان على هذا الإتكاء وعقلي ينبئني بمصيبة كبرى سوف تصيب تلك اليد المصابة التي سوف تحمل جسمي كله على معصم محطم .. وما إن لامست يدي عتبة المسجد حتى سمعت بأم أذني صوتين متتابعين للعظام مثل تكة الساعة ( تيك تاك ) ، أقمت نفسي واقفا لأجد نفسي .. فجأة .. وقد اختفى الألم تماما !!
وقفت داخل المسجد .. مذهولا .. وسعيدا .. وخائفا في الوقت نفسه .. شعرت بشيء مهيب في المكان .. وفي نفسي .. وتسائلت .. أحقا ، هؤلاء من يكفّر البعض أتباعهم ؟ أحقا تلك .. كرامات!

دخلت لأتوضأ (رغم اني كنت على وضوء) وخرجت فصليت وانتهيت إلى ركن آخر في مسجد آخر في هذا اليوم العجيب لأجد نظرة أخرى مبتسمه .. ودودة .. على وجه آخر اتضح انه الإمام الطاعن في السن الذي أقام بنا الصلاة .. والذي لم يرفع عينيه عن وجهي وكأنه يراقبني هو الآخر ، بابتسامة عجيبة على وجهه وكأنه يعرفني !

هممت بالخروج ، فأشار هو الآخر بنفس الإشارة بلطف ، أن اقترب ! ذهبت إليه :
- خير يا عم الشيخ ؟
- قوللي بقى ايه اللي حاصل معاك ده ؟
اندهشت من سؤاله ، فقلت باستهجان :
- مش فاهم ، هو ايه اللي حاصل ، مفيش حاجه
- لا حاصل ، وحاصل معجزات كمان ، وشك بيقول ..!
لم أتمالك نفسي فقصصت عليه القصة من اولها لآخرها ، فتهلل الرجل ومسك يدي التي كانت مصابة ، وقال:
- يابني دي بركة آل البيت ، انت مظلوم ، وربنا هيكرمك في حياتك آخر كرم ، ابقى روح زورها .

خرجت من هذا المسجد إلى سكني ووصلت إلى شقتي وأنا غارق في دموع لا تنقطع ، وعاهدت نفسي من ذلك اليوم ألا أكفّر شيعيا في حياتي ، ولا ألوم محبا ، ولا أسخر ممن يقيمون الموالد أو يجهرون بحب أل البيت، فقد يكون فيهم وبينهم .. من لا تعرف قدره ! وكثيرا -من بعد ذلك اليوم- كلما ذكرت الغبن الذي تعرضت له في حياتي طفلا وشابا بعد ممات الوالد ، ذكرت عذاب أهل بيت رسول الله ومعاناتهم بعد موت المصطفى صلى الله عليه وسلم ..

بعد عشرات السنين من هذه الفترة ، كنت بصدد فتح محل أستغل فيه موهبتي في الإليكترونيات وإصلاح الأشياء ، لأستكمل حياة صعبة ، تركت فيها الدراسة بالجامعة مضطرا بعد احوال لا يعلمها إلا الله ، وتوقف حلم المحاماة حتى حين ، في حياة أعيشها منفردا بين محافظة وأخرى ، وشباب مُضنٍ لم أعرف فيه راحه .. لكنني – بعدئذٍ - لم أحتر كثيرا في اسم المحل .. أسميته الإمام.

محمد سلامه

إقرأها أيضا في :


Post a Comment

Previous Post Next Post