حكايتي مع توفيق الحكيم

My story with Tawfiq al-Hakim Mohamed Salama

قصة قصيرة ، أدب سيرة ذاتية
من كتابي : #يوميات_الروب_الأسود

في الصغر .. كنت كثير الأسئلة ، والتنشئة في الأرياف .. تعطيك فرصة للتأمل في بيئة هادئة - كانت - قبل إنتشار عبث التوكتوك وأمواج البشر المتسارعة من حولك كالنمل مما لم نعتده في الأرياف ولا في طفولتنا، تسأل .. لكن لا أحد يعطيك إجابات ، إندهاش أحيانا أو سخرية ، وأحيانا أُخَر .. صفعة على وجهك ربما و "حرام متقولش كده" !

سيّما إن كان تعليمك أزهريا ، يلاحقك النص تلو النص و(اللوح تلو اللوح) ويجفّ حلقك من تكراره لحفظه وأنت تتخيّل عصا الشيخ نازلةً فوق وجهك تورّمه إن أخطأت مرة واحدة وأنت تلقيه عليه بسرعة الضوء، وكأن النيّة مبيتة كي لا تجد وقتا لقرائة النص مرة واحدة بتأنّي ورويّة .. محاولا فهمه !

في منطقتنا ، لم يعتد الأهالي علوّ البنيان في القرى وقت طفولتي في الثمانينات والتسعينات ، لكن الوالد الذي قضى أغلب سنوات شبابه بالخارج ، إستطاع بناء بيت من خمسة طوابق في عدة سنوات، وكانت فرصتي للإنفراد أحيانا "على السطوح" .. بالسماء.

كانت الأسئلة صغيرة ومنطقية ، لماذا تتكوّر الأرض من بعيد، وماذا هناك، ولماذا تضيء الشمس وأين تغرب ، ولماذا تتحرك النجوم وفيم تضيء ، ثم ماذا عن الموت وأين نذهب ، ومن خلق كل هذا ، ولماذا ، ثم مَن خلق مَن .. فمَن خُلق أولا ..كل شيء يردك إلى الله .. فمن خلق الله ؟!

كان السؤال يتردد ف ذهني كنهاية لحلقة منطقية من البحث عن حقائق الأشياء ، ولغباء رد الفعل من حولي، كنت أتردد في التصريح به إلا نادرا ولشخصيات أتوقع أن لديها إجابه، وفي كل مرة .. كنت أرجع بخُفيّ حنين.

حتى صادفتُ مرة أخصائيا إجتماعيا في مدرسة، كنت أشكوا له الضرب المبرح الذي أتعرض له على يد شقيقي الذي يكبرني بسنوات عديدة، واندهش الرجل من الجملة التي ختمت بها كلامي أن ذلك كله (ينعكس بتأثير سلبي عليَّ) قال الرجل : انت بتقول كلام أكبر من سنك أوي ؟! فأجبته بفخر أنني أقرأ جريدة الشعب يوميا (كانت الوحيدة بخمسين قرشا فقط) وبعض الكتب، ثم شجعني إعجابه أن ألقي عليه مسألة من خلق الله تلك! ، قال كلاما عبثيا لا أذكره ثم انتهى إلى أنني أستطيع بعقلي ذلك أن أفهم شيئا مما يكتبه د.مصطفى محمود عن تلك المسائل ، كتبت الإسم في ورقة.

في اليوم التالي ، هربت من المعهد أثناء الدراسة وركبت سيارة إلى مدينة #ميت_غمر المجاورة وكنت أعرف مكانا يبيع كتبا في زقاقٍ طويل في السوق ، ولجتُ إلى البائع ثم بعفوية سألته : عندك كتب مصطفى محمود يا عمو ؟ ضحك الرجل حتى كاد يقع من الكرسي ، فقد كنت طفلا هزيلا يكاد لا يُرى من الأرض وألقيت السؤال بعفوية كمن يطلب (ربع جبنه رومي) من السوبر ماركت، ذهب الرجل يبحث عن سطر كتب لمصطفى محمود فوقعت عيني على كتاب عنوانه : أرني الله ؟! فسال لعابي ، ولمعت عيناي ، ولم ألق بالا بما جلبه الرجل من كتب وسألته على الفور، بكم هذا ؟
- يابني انت اللي في سنك بيقرا ميكي ، طب خد كتاب تاني ..

إندهشت من اعتراض الرجل على رغبتي بشراء الكتاب ، وتحول ضحكه إلى نظرات مخيفه من عينين التحم السواد تحتها بلحية كثيفة سمراء جعلت وجهه كتلة واحدة من السواد الواجم المخيف بذاته دونما حاجه إلى تلك النظرة التي أرعبتني .. لكنني تشجعت وطلبت الكتاب بإصرار ثم سحبت كتابا عشوائيا من سطر كتب #مصطفى_محمود لإغرائه بقبول الصفقة في الكتابين فقبض الثمن ولم ينظر للكتاب الآخر وصرفني كمن يصرف شيطانا !

أسرعت بالعودة إلى القرية .. وكانت الحماسة تقتلني وأؤجل فتح كتاب (أرني الله) الذي بالطبع سوف يحتوي على الإجابة ، فثمة من يسأل أن يرى الله ، وبالطبع هناك في الكتاب من سيريه الله بلا شك .. يبدوا منطقيا.

في البيت .. جلست على السطوح .. ثم فتحت هذا الكنز بحماس ولاحظت الإسم (توفيق الحكيم) ثم شرعت في القراءة .. كانت أول صدمتي أن الكتاب عبارة عن قصص فلسفية ليست في سياق واحد ، وكان عقلي الذي تم حفره بفأس أزهري معتاد على السياق الواحد كقصص القرآن في السور التي نحفظها لا يستوعب ذلك، فكنت أرتبك واجلس بالساعات محاولا ربط سياق القصص بعقلي الطفولي الذي لم ينضج بعد .. بلا جدوى !

لكنني لاحظت القصة التي عُنون الكتاب باسمها ، وركزت معها ، كانت هي مرادي ، انبهرت ببداية القصة بطفل يسأل هو الآخر فشعرت أنني أقرأ الكتاب الصحيح، فها هو طفل آخر يسأل نفس الأسئلة وسأجد معه الإجابة، لكنني صدمت عندما انتهت القصة القصيرة وبدأت أخرى في سياق آخر ولم أفهم – وقتها – أي شيء .. بيد أنني -فطريا- وجدتُ في نفسي كرها للناسك في القصة.

" وكان مختصر الأمر أن طفلا يتعلق به والده ويعتبره نعمة من الله عليه ، سأل والده أن يريه الله ، ولأن الرجل متعلق القلب بابنه، راح يسأل كل من يستطيع سؤاله عن تلك الغايه المعقدة إرضاءا لابنه، فدله الناس على ناسك (لا يسأل الله شيئا إلا أجابه) ، أتاه الرجل وسأله مسألته فأجاب الناسك أن رؤية الله لا تتأتى إلا من محبته وأن محبة الله لا يحتملها عقل بشر فظل الرجل يسأل الناسك أن يدعوا الله له بشء من محبته ، فأجاب الناسك أنه كثير ويجب ان يتواضع ، فطلب مقدار درهم من محبته ، فأجاب الناس : كثير كثير .. حتى طلب مثقال ذرة من محبة الله ، فدعا الناسك الله ان يرزق الرجل مقدار نصف ذرة من محبته.

وقام الرجل وانصرف، وانقطعت أخباره ، فأتى الناسك أهله وأصحابه وطفله يسألونه عن الرجل فلم يعرف ومضى زمن حتى صادفهم بعض الرعاة فأخبروهم أن الرجل جُنّ ومضى بين الجبال ودلوهم على مكانه ، فلما وصلوا جميعا إليه وجدوه قائما على صخرة وقد شخص بصرة ولم يتعرف إليهم، قال الطفل : أنا السبب ، انا من طلبت منه أن يريني الله ، فقال الناسك وبدا كما لو كان يحدث نفسه : أرأيت .. إن نصف ذرة من محبة الله كفيلة بتحطيم تركيبنا الآدمي وتدمير جهازنا العصبي ! "

وبدا الناسك في القصة إلى حد كبير - في خيالي - شبيها ببائع الكتاب الفجّ ذاك، لكن .. لم أفهم .. فجن جنوني .. ورميت الكتاب في مكتبتي وطالما كنت أشعر بالغيظ كلما لمحت الكتاب في ركن ما أثناء مروري في الغرفه .. وعليه ذلك الإسم الذي كنت أقرؤه متمتما (توفيق الحكيم) رجل لا يفهم شيئا ويزيد الحائر حيرة !! لم أدرك وقتها أنني أنتقد واحدا من أعظم أدباء القرن العشرين وأنيس شبابٍ مضنٍ وحياة منفردةٍ صعبة فيما بعد.

بعد عشرين سنه ، كنت أرتب ركنا قديما في مكتبي ، وقع الكتاب في يدي مهترءا وقديما ، وعليه إمضائي وأنا تلميذ بالإبتدائية .. بيد مرتعشة وعينان لا تقرآن بلا نضارة ، صعدت بالكتاب إلى سطح المنزل ، في نفس المكان الذي كنت اتأمل فيه ، وأعدت قراءة القصة ، نظرت إلى ذات السماء ، لكن السؤال هذه المرة ، كان مختلفا تماما .. ولا تٌرجي إجابته من أحد .. فنحن اليوم .. نعيشها !
• هل كان والد الطفل في قصة توفيق الحكيم ، ليكون أفضل حالا ، بغير إجابة الناسك التي أودت به إلى جنون على صخرة ؟!
• هل كان والد الطفل ليكون أفضل حالا ، لو لم يقنعه ذلك الناسك .. بأن نصف ذرةٍ من محبة الرحمن .. لا تُدرك ؟!
• هل كنا نحن البشر لنعيش بحالٍ أفضل .. بغير هؤلاء ؟!
• هل كنا لنرى الله حقا .. في بساطتنا .. وفطرتنا .. والخير الذي فينا .. لولا هؤلاء ؟!
ثم ابتسمت في شجنٍ لمشهد لمَعَ في ذاكرتي لذلك الطفل الحائر الذي كنتُه في صباً منفرد كما أنا اليوم في أواخر شبابٍ منفرد .. ذلك أنني وقت اشتريت الكتابين .. وحِرتُ في أحدهما ومللتُه – وقتها – ولم أفهمه .. أخذني الفضول إلى مطالعة الكتاب الآخر لذلك الذي يدعى مصطفى محمود .. فإذا بي دخلت في نوبة ضحك بين الشجون ولطافة الذكريات .. فالكتاب الثاني .. صدفة ً .. كان .. ( حوار مع صديقي الملحد ) !


#محمد_سلامه
شاعر ومحام مصري 
عرض أقل

محمد سلامه

إقرأها أيضا في :



Post a Comment

Previous Post Next Post