قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء


حدٌ من الحدود الفاصلة بين العاقل والأحمق، الحكيم والغبي، المثقف ودعيُّ الثقافة، هو سماع الآخر أولا .. للوقوف على رأيه قبل مناقشته ، أو لتكوين فكرة صحيحة عنه ، أو حتى قبل تجاهله تماما إذا كان قوله ضرب من الهزل مما لا يستحق مناقشته وكذا جٌلّ ما يلقيه أهل الخليج في جميع قنوات الأخبار تقريبا.


هؤلاء الناس تفصلهم عن الواقع سنوات ضوئية بلا أدنى مبالغة ، ثابتون على الخيلاء الفارغ ، والتكلم بالأوهام ، وإلقاء التهم بشراسة على كل الشعوب الكبيرة حولهم دون أن يسأل واحد منهم نفسه ، لماذا تقف تلك الشعوب جميعها منه موقفا سلبيا - في نظره - إلى هذا الحد ؟


اليمن (أصل العرب) ، مصر (لا يجرؤ عاقل في العالم أن ينكر كونها بلدا كبيرا) ، الجزائر (بلد المليون شهيد) ، ليبيا (بلد كبير وشعب قديم) ، العراق (حضارة بابل) ، فلسطين (أرض المهد والقدس) ، وكذا السودان والصومال وارتريا ولبنان ..إلخ ، يخرج علينا الخليجي اليوم ليتحدث بالإزدراء عن كل تلك البلاد الكبيرة ، ويحلل ، ويناقش ، ويتمسك بشيء واحد .. (سأوي إلى جبل يعصمني من الماء ) ولك أن تضع موضع الجبل أبأس أمتين على وجه الأرض ، الولايات المتحده وإسرائيل.


فالأولى قدمت من شتات أوروبا والعالم واحتلت أرضا ليست لها وحاول ساستها جهدهم "إختلاق" هوية تماثل تلك الهويات المتجذرة في التاريخ والجغرافيا والعقيدة كهوية المصريين أو الإيرانيين أو أي شعب كبير .. بدا لهم أن بضعة عقود من الحداثة والريادة التكنولوجية قد تخلق من تريند مدفوع شهرة ، ومن سيطرة بالقوة عظمة ، ومن نهب ثروات الشعوب غنى ، ومن رفع لواء القتل .. مهابة !!


وأمة أخرى يهودية هي مشتتة في أصلها ، بل إن شتاتها هو قوتها ، نموا في كل بلد كالفايروس ، أكلوا خيراتها من الداخل ، وتخابروا على مصالح شعبها ، وسيطروا بأموالهم على كل بلد كبير تقريبا ، ملكوا الإعلام والتكنولوجيا ومصادر الطاقة ، حتى أنني قرأت منذ أيام أن سر إغتيالاتهم الدقيقة في قلب النظام الحاكم لإيران هي مجاميع اليهود ذوو الأصول الإيرانية والذين أرادوا الهجرة إلى اسرائيل بعد نشأتها ، فتواصل معهم القادة وطلبوا منهم البقاء في إيران فخدمة اسرائيل ستكون أعظم .. في مكانهم !!


هؤلاء .. هم أحلاف الخليجي المتفذلك بالوهم ، والمتمسك بأحلام أوحى إليه بها هؤلاء القتلة ، فأوغروه على جيرانه ، وأرعبوه من إيران ، وأقنعوه بحاجته إلى الحماية ، وأغروه بزعامة وهمية لمنطقة هو فيها -برغم كل ما يملكه من مال- لا شيء تماما ، أنا اندهش إذا لا يعرف هؤلاء الناس أنهم مهما امتلكوا من أموال فإنها لا تشتري تاريخا ، ولا تقيم دولة ، أخبرني .. أين هي تلك الدولة الكبيرة في العالم التي لا تملك نهرا تشرب منه وتعيش على تحلية مباه البحر ؟! أين هي تلك الدولة التي يكون بيت الله على أرضها وتقيم إلى جواره مواسم الرياض وحفلات مثليي الجنس ، أين هي تلك الدولة الكبيرة التي لا تملك لها جيشا يحميها ، ولا حتى عقيدة قتالية لأهلها ، لقد دخل صدام حسين الكويت بسيارات تويوتا والجنود لم يرفعوا حتى السلاح وإذا بأمير الكويت والعائلة الحاكمة كلها هاربة إلى لندن نفر وإلى السعودية نفر آخر ، كيف يعد بلد ما نفسه كيانا ذو شأن وهو يربي أجيالا لا تعرف معنى الجندية وفداء الوطن وتهرب !! من أقنع هؤلاء الناس أنهم بلاد كبيرة .. بل .. أنهم بلاد أصلا !!


أستمع إليهم جيدا .. عقلية مسكينة .. فاقدة تماما للهوية .. وتجمع لا بين نقيضين .. بل كل النقائض تقريبا.. فأنا أمير المؤمنين رافع لواء الإسلام وحليفي الأول هو اليهودي الذي قتل العام الماضي فقط ربع مليون فلسطيني نصفهم من النساء والأطفال والعجائز !


وأنا الثري الذي يأتيني الخدم والعاملين من جميع بلاد العالم (ولا يرى بأم عينه) كيف أن خدمه والبلاد التي قدموا منها هويتهم أثبت من هويته وبلادهم هي بلاد في الأصل .. يتأزم إقتصادها .. ويفتقر شعبها .. لكنها تبقى بلادا .. لا يُفرضُ فيها كلمة لأجنبي .. ولا ينتظر حين الإعتداء عليها غوث من أجنبي .. ولا تعيش في التكييف حتى لتموت من غيره !


يملأوون الدنيا صراخا (أنتم حاقدون علينا) والواقع أن كل الشعوب من حولهم .. والمصريون بالخصوص .. مشفقون عليهم .. بالأمس شاهدت فيديو لمواطنة خليجية تطل من شباك الطائرة على القاهرة وهي تقول (هكذا هي البلاد ، لا فلوس ولا ثراء على الفاضي ، شوفتم الأمان ، شوفتم القوة ؟ ) فهل شاهدها ذلك الصحفي الكويتي الذي كتب بالسوء عن نساء مصر وعن ثلاثة أرباع كلب .. ولا يدري أن العالم كله حين يقرأ مقاله .. لا يقتنع بأن مصر أهينت على يديه .. بل ربما سوف يدرك القاريء أين هو ربع الكلب الباقي ! أو ربما حتى .. ذيل الكلب.


من يهزّ هؤلاء الناس من روث الأنعام في أدمغتهم ! على ما يبدوا أن الحرب تهز أركان العالم إقتصاديا وأمنيا وهم كما هم ( قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) !! عزيزي .. إن الشعب الإيراني يدك الجبل في الوقت الحالي ، فأفق قبل أن يخور فوقك.


محمد سلامه


إرسال تعليق

أحدث أقدم